الأهرام

شهادة بختم النسر الفرعوني

شهادة بختم النسر الفرعوني

لواء دكتور/ سمير فرج

أحمد الله الذي وهبني العمر والصحة لأشاهد “الموكب الذهبي”، لنقل 22 مومياء، لملوك وملكات مصر، من المتحف المصري بميدان التحرير، إلى المتحف القومي للحضارة بمنطقة الفسطاط بمصر القديمة، في احتفال أسطوري، يوم السبت 3 إبريل 2021، راقبه العالم أجمع.

وقبل أن نبدأ في وصف الحدث، والإشادة بعظمة الاحتفال، فمن وجهة نظري أنه منح مصر شهادة عالمية بختم النسر الفرعوني، اطلع عليها العالم من خلال خمس رسائل هامة؛ أولها أن مصر هي بلد الأمن والأمان، ومستعدة، كعادتها، لاستقبال ضيوفها من السياح والمستثمرين دون خوف أو قلق، بعد أن نجحت إدارتها في القضاء على الإرهاب والتطرف، واقتلاع جذوره إلى غير رجعة، بعدما جثم على صدورنا لسنوات عديدة.

والرسالة الثانية أن مصر قادرة، بإرادة، وسواعد، أبنائها المخلصين، على تحدي الصعاب، ففي الوقت الذي تشهد فيه العديد من الدول الأوروبية مظاهرات شعبية ضد قرارات حكوماتها بتقييد الأنشطة، بسبب جائحة كورونا، استطاعت مصر أن تنظم هذا الاحتفال الأسطوري، دون تفريط في الإجراءات الاحترازية، لتؤكد للعالم، على حسن إدارتها للأزمات، بما لا يعطل الحياة. وتمثلت الرسالة الثالثة في الدعاية غير المسبوقة لمصر، ولآثارها التاريخية، فبدلاً من إنفاق ملايين الدولارات، للحصول على دقائق معدودة، أو مساحات محدودة، على شاشات وصفحات وسائل الإعلام العالمية، إذا بتلك الوسائل تتهافت على مصر، لتغطية ذلك الحدث التاريخي، لتفوز مصر بمساحات إعلامية كبيرة، ستمتد أصداءها لفترات طويلة.

مقالات ذات صلة

أما الرسالة الرابعة، فكانت تذكرة للعالم كله بعظمة الحضارة المصرية، التي صنعت التاريخ، والحياة، منذ آلاف السنين، فقدمت علوم الكيمياء والفلك والطب وعلوم التحنيط، وحتى الفنون العسكرية، إذ أسست مصر أول جيش نظامي، منذ فجر التاريخ، وأقامت أول معاهدة سلام في تاريخ البشرية في 1258 ق.م.، في معركة قادش، التي وقعت بين قوات الملك رمسيس الثاني ملك مصر والحيثيين في سوريا. وكانت الرسالة الخامسة في مواكبة مصر لمتغيرات العصر، باختيار لغة الخطاب المناسبة مع العالم الخارجي، فانتهجت هنا لغة الثقافة والفن، التي تعيها الدول الأجنبية، واستخدمت عناصر الإبهار بالعرض، وتكنولوجيا الإضاءة، وحسن توظيف المواقع الأثرية، لإبراز مزيج الثقافة المصرية والفن المصري الحديث في أكمل صورة. فشكر خاص لمخرج هذا العرض المبدع عمرو عزيز، الذي ظن البعض أمام عبقريته، أن المخرج أجنبي الجنسية.

وكان من روائع الاحتفال، الأوركسترا السيمفوني، بقيادة المايسترو المصري نادر العباسي، الذي له من اسمه نصيب، فقد قدم موسيقى رائعة، أبهرت المصريين والعالم، خاصة في تزامنها مع تحرك موكب المومياوات، ومع الاستعراضات المصورة في أماكن سياحية مختلفة على أرض مصر. لنبتعد، لأول مرة، عن الاحتفالات التقليدية، ونقدم للعالم فن عالمي، وتنظيم مبتكر. فتذكرت أيام رئاستي لدار الأوبرا المصرية، وبينما أبحث عن مايسترو جديد، لأوركسترا أوبرا القاهرة، جاء من يخبرني بأن هناك فنان مصري، متميز، يعيش ويعمل في سويسرا، وأنه مغني أوبرالي، وعازف فاجوت، ومؤلف موسيقي، ومايسترو، فاتصلت به، وأبلغته بترحيب دار الأوبرا بقيادته لأوركسترا أوبرا القاهرة، فوافق، نادر العباسي، على الفور، وحضر للقاهرة لتسلم عمله، وتابعت بصماته، من أول يوم، في تطوير أوركسترا أوبرا القاهرة، وبدأ يقود أوركسترا حفلات الفنان المبدع عمر خيرت، وحفلات الفنانة ماجدة الرومي، فكسبت مصر فناناً متميزاً.

وفي اليوم التالي، لاحتفال “الموكب الذهبي”، اتصلت بالمايسترو نادر العباسي لأشكره على إمتاعنا، وأهنئه على نجاحه، وعرفت منه أن العمل مأخوذ من نص فرعوني مدون على جدران معبد دير الشلوط، في البر الغربي بالأقصر، راجعت نصه لغوياً، وتاريخياً، الأستاذة الدكتورة ميسرة عبد الله حسين، ولحَن هذه المقطوعة الموسيقية الفنان هشام نزيه، ليتولى تقديمها الدكتور نادر العباسي، بأوركسترا الاتحاد الفيلهارموني الخاص به، المكون من 100 عازف، معظمهم من شباب الكونسرفاتوار، و80 من الكورال، بمصاحبة الفنانات المصريات ريهام عبد الحكيم ونسمة محجوب وأميرة سليم، لتخرج الأنشودة الهيروغليفية، بموسيقى مصرية، وأوركسترا مصري، في تلك الصورة المتكاملة التي استمعنا إليها، واستمتعنا بها.

أما الفنانين المصريين المشاركين، فأهنئهم على شرف مشاركتهم في هذا الحدث، وأهنئ من أحسن اختيارهم، وأعد أدق تفاصيل ظهورهم، سواء باختيار الأزياء، أو الحُلي، أو المكياج، وعلى رأسهم الفنان خالد النبوي، الذي جال بنا في مختلف الحقب التاريخية المصرية، والفنانة يسرا الملكة الفرعونية المتألقة، وأحمد حلمي وأحمد عز وأحمد السقا وآسر ياسين وكريم عبد العزيز ونيللي كريم ومنى زكي وأمينة خليل، وقبلهم الفنان المبدع حسين فهمي الذي قدم المادة الدعائية المشوقة، عن ذلك الحدث التاريخي. أما أغنية محمد منير فكانت مثل نهر النيل العظيم، المتدفق من الجنوب إلى الشمال، مخترقاً كل الاحاسيس المصرية. ولا يفوتنا الإشادة بتألق المذيعات جاسمين طه زكي، وناردين فرج، وأية الغرباني، سواء في سلامة الإلقاء، أو تعدد اللغات، أو تألق المظهر. لقد ظهر كل أولئك الفنانون، بتلك الصورة المبهرة، بفضل جهد ورؤية مدير التصوير المتألق أحمد مرسي، واختياره “للكادرات”، خاصة في المواقع الأثرية، فلو كان الأمر بيدي، لمنحته جائزة الأوسكار على صورة نيللي كريم أمام معبد حتشبسوت.

إن الصفحات لا تسع لذكر جميع تفاصيل ذلك الحدث المهيب، الذي اختتم بوقوف رئيس مصر في العصر الحديث، الرئيس عبد الفتاح السيسي، لاستقبال مومياوات ملوك وملكات مصر العظماء، في رسالة أن التاريخ الحديث يٌقدِر ويحترم دور هؤلاء الذين أسسوا لأعظم حضارة صنعت للعالم تاريخه … فتلك الشهادة مختومة بالنسر الفرعوني.

Email: sfarag.media@outlook.com

1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى