جريدة الجمهورية

تركيا بؤرة التوتر فى الشرق الأوسط

26-11-2020
“تركيا بؤرة التوتر في الشرق الأوسط”

جاء تقرير المفوضية الأوروبية السنوي الصادر في السادس من اكتوبر 2020 أن حكومة أردوغان تعمل على تفويض النظام الاقتصادي الذكي وانتقاص مساحة الديموقراطية في الحياة السياسية وتدمير استقلال المحاكم ولهذا السبب كانت هذه الإجراءات قد أبعدت تركيا عن أي وقت مضي للانضمام للاتحاد الاوروبي وأضاف التقرير أن السياسة الخارجية التركية تتصادم بشكل متزايد مع أولويات الاتحاد الاوروبي في مجال السياسة الخارجية والأمنية… وبنظرة سريعة على ما تفعله تركيا بالمنطقة حالياً نجد أنها أصبحت بؤرة لإثارة المشاكل في كل الاتجاهات.. ففي اتجاه العراق فإنها تنتهك سيادة العراق بالقصف التركي لمواقع كردستان العراق بل يصل الأمر في بعض الاحيان الي مهاجمة اكراد العراق بعمليات قتالية مباشرة علي الارض بالقوات التركية.
أما علي الاتجاه السوري فإن تركيا مازالت تحتل أجزاء كبيرة من شمال سوريا بل أصبحت تسيطر علي شمال سوريا حتي أن العملة التركية أصبحت أساس التعامل في هذه المنطقة و عندما بدأ التوتر بين أرمينيا و أذربيجان قام أردوغان بفتح جبهة جديدة حيث أعربت تركيا عن دعمها الي حليفتها أذربيجان ضد ارمينيا في النزاع القائم علي منطقة ناغور كاراباخ الانفصالية في جنوب غرب أذربيجان و التي سيطر عليها الأرمن.. من هنا أعلن الرئيس أردوغان أن تركيا لن تتردد أبداً في التصدي للهجوم علي حقوق و أراضي أذربيجان و لقد أتهمت أرمينيا أردوغان بأن تركيا دفعت بالمرتزقة من شمال سوريا لمعاونة أذربيجان في نزاعها ضد أرمينيا و أضاف أن تركيا تساعد أذربيجان عسكرياً بقيادات من الجيش التركي في مجال العمليات و الاستخبارات وبعد توقيع اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان، حاول أردوغان أن تتولي القوات التركية مع الروسية تنفيذ هذا الاتفاق لكن روسيا رفضت التواجد التركي العسكري لضمان تنفيذ الاتفاق وبالطبع كان ذلك صدمة كبيرة لأردوغان.
أما علي المستوي الليبي فإن تركيا أصبح لها دور كبير في تطور الموقف العسكري علي الارض فور قيام الاتراك بدعم حكومة السراج بالمرتزقة من شمال سوريا و الصومال كما تم امداد قوات السراج بأسلحة متطورة مثل الطائرات المسيرة بدون طيار و بعض الاسلحة و المعدات لذلك تغير الموقف العسكري و انتهي حصار قوات حفتر لطرابلس و حالياً تم اتخاذ خطوة جديدة في مسار الحل السياسي السلمي في ليبيا بتوقيع اللجنة العسكرية الليبية المشتركة 5+5 علي اتفاق دائم لوقف اطلاق النار بعد محادثات جنيف تحت رعاية الامم المتحدة و هي نقلة جديدة تستهدف إنهاء حالة الفوضي التي تعاني فيها ليبيا حالياً منذ رحيل القذافي و التي سبقتها الاجتماعات العسكرية في الغردقة يومي 28،29 سبتمبر الماضي و التي كانت مباحثات تمهيدية ساعدت في نجاح اجتماعات جينيف.
كذلك ساعد اعلان القاهره الذي اعلنه الرئيس السيسي في يونيه الماضي بحضور المستشار عقيله صالح و المشير خليفه حفتر و التي بلورت خريطة طريق متكاملة لتحقيق التسوية النهائية اللازمة بوقف اطلاق النار، و لقد لقي قرار لجنة 5+5 في جنيف بإيقاف اطلاق النار ترحيب القيادة المصرية علي أن يحقق خروج كافة المليشيات و الجماعات المرتزقه من الاراضي الليبية و الخلاصة أنه يمكن القول أن نتائج هذه المؤتمرات الليبية الأخيرة قد حققت نقلة نوعية في مسار العملية السياسية و الاقتصادية في ليبيا حيث سينتج عنها دستور دائم و برلمان و حكومة منتخبة مع ضرورة انهاء وجود المرتزقة في البلاد حيث تقرر اجراء الانتخابات في ليبيا يوم 24 ديسمبر 2021.
و لقد جاءت مواقف القوي العظمي بدعم هذا الاتفاق لوقف اطلاق النار الدائم في ليبيا بدأٌ من “انطونيو جونيربش” أمين عام الامم المتحدة كذلك عبرت السفارة الامريكية في طرابلس عن دعمها لهذا الاتفاق كذلك الحكومة البريطانية و الفرنسية .. كذلك ظهر تأييد كامل لهذا الاتفاق من الاتحاد الاوروبي و لكن كالعادة جاء الموقف التركي خارجاً عن التوافق الدولي حيث خرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بنفسه ليعلق علي ذلك الاتفاق بأنه ضعيف للغاية و أكد علي أن الايام القادمة ستظهر مدي قدرة الاتفاق علي الصمود و بالطبع جاء هذا التفاق علي غير رغبة تركيا خاصة أنه نص علي خروج كافة المقاتلين الاجانب من لبيبيا خلال مدة لا تتجاوز التسعين يوماً.
و لقد شهدت العلاقات بين تركيا و فرنسا مؤخرا توتراً ملحوظاً بسبب الاحداث في ليبيا حيث بدأ في سخونة الاحداث بتواجد سفن بحرية فرنسية و تركية في شرق المتوسط حيث تعلق الأمر بمحاولة فرقاطة فرنسية تحت قيادة حلف الناتو تفتيش السفن بالمنطقة لمنع تهريب السلاح الي ليبيا.. ولقد بدأ الرئيس الفرنسي يقود الموقف داخل الاتجاه الاوروبي لفرض عقوبات علي تركيا حيث اعلن وزير خارجية الاتحاد الاوروبي “جوزيف بوريل” أن الاتحاد الاوروبي مقبل علي اتخاذ قرارات صعبة و أن علاقة الاتحاد الأوروبي مع تركيا وصلت الي منعطف حاد.. بينما اكدت المانيا أنها تهدف الي فرض السيادة الاوروبية علي المنطقة و خاصة أن تركيا هددت باستمرار الي فتح الحدود أمام اللاجئين السوريين الموجودين علي أراضيها للتوجه نحو الدول الأوروبية.
و انتهز الرئيس أردوغان ما صرح به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بنقد التطرف الاسلامي عقب مقتل مدرس فرنسي بعد عرضه صور مسيئة للرسول عليه الصلاه و السلام حيث أهان الرئيس الفرنسي و ذكر أنه يحتاج الي فحص لقواه العقلية.
وبالنسبة لألمانيا التي أعلنت هذا الأسبوع عن أن تركيا أجبرت جنود المان عن ايقاف عملية تفتيش في اطار المهمة الدولية لفرض حظر توريد أسلحة الي ليبيا في البحر المتوسط، والمعروف أن المانيا تشارك في العملية “إيريني” التابعة للاتحاد الأوروبي التي تسعي لوقف شحنات الأسلحة الي ليبيا وبالطبع سوف تزيد تلك الأحداث توتراً جديداً في العلاقات بين المانيا وتركيا التي كانت تعتبر حليفاً مؤثراً لتركيا في الاتحاد الأوروبي.
و علي الجانب الاخر فإن الكونجرس الامريكي بدأ هو الاخر في الاعداد لقرار عقوبات ضد تركيا بعد قيامها بشراء صوايخ روسيه من طراز S400 الأمر الذي يزيد الموقف تعقيداً علي تركيا … علي أيه حال فإن الموقف العام في المنطقة سوف تظهر أبعاده الرئيسية بعد نتائج الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الامريكية حيث كان هدف ترامب في الفترة الماضية بتحقيق الاستقرار في المنطقة حتي نهاية الانتخابات ومن المنتظر أن نري بعد تولي المجموعة الجديدة للرئيس جو بايدن في البيت الأبيض وعلي رأسها أنتوني بلينكن الذي أصبح وزيراً للخارجية تغييراً جديداً في علاقات الولايات المتحدة مع تركيا.. ولقد اعلن أردوغان مؤخراً دعوته الي الاتحاد الأوروبي الي اجراء تعاون مثمر وذلك بعد قلق أردوغان من العقوبات الأوروبية الوشيكة المقرر فرضها خلال انعقاد المجلس الأدبي خلال شهر ديسمبر القادم حيث طلب أردوغان فتح صفحة جديدة قائمة علي التعاون المثمر.. هذه التصريحات قابلها وزير خارجية فرنسا جان ايف لورديان قائلاً إن دعوات تركيا للحوار والتهدئة غير كافية مطالباً تركيا بأفعال وليس أقوال خاصة أن تركيا أعلنت مد عمل سفينة التنقيب التركية “ريس” في المنطقة البحرية المتنازع عليها مع اليونان الي يوم 29 نوفمبر وهكذا فإن الأمور حالياً نسير بشكل خطير خاصة ما تواجهه تركيا من تردي الأوضاع الاقتصادية وهبوط الليرة وزيادة الأسعار ومعدل البطالة.. الأمر الذي يضع تركيا في موقف لا تحسد عليه الأيام القادمة.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى